20 فبراير, 2012

إستفتاء أم هجر للتفكير

هل الاستفتاء، أي سؤال أهل الذكر، زيادة في العلم أم ترك للتفكير؟ لاحظوا هنا أن كلمة أهل الذكر إنما تعني علماء الدين وبالأخص الفقهاء، أي التعريف الشائع لدينا جميعا.
والآن حين يُسأل المفتي سؤالا من قبيل: هل يجوز أكل الطين؟ فما القصد من السؤال. ربما نقول سوية أن السؤال جاء من شخص محدود الفهم والذكاء، ولذا أراد أن يستوضح ما عنَّ له. لا بأس، لكن أن يفتي المفتي مثلا أن الطين لا يؤكل أو أن الطين لم تُورد فيه آية لتحريمه لكنه مما لا يؤكل، أيا كانت إجابته فإن استجابة المفتي بالرد تعني ضمنا أن السؤال مما يُسأل. جيد من المفتي، وهذا رأيي، أن يقول ويُعلّم الناس أن هذه الأسئلة لا داعي لها. لكن ما نراه أن المفتين يفتون في كل الأسئلة التي تصل إليهم. وعلى هذا يرسخون مبدأ أنكم يجب أن تسألوا عن كل تفصيل.
ما أقصى ما يمكن أن تفعله المرأة لمقاومة من يريد اغتصابها؟ حقا ماذا يجب أن تفعل، تقتله مثلا أم تضربه أم تتركه ثم تذهب للقضاء بعدها أو للمستشفى لتوثيق حالة الاغتصاب؟! هل الموسيقى العسكرية حرام أم حلال؟ هل التصوير حلال أم حرام؟ الذهاب إلى دار الأوبرا حرام أم حلال؟ ماذا عن حضور فعاليات مهرجان مسقط؟ هذه عينة من الأسئلة التي يسألها البعض، ولا يتورع المفتي أن يفتي. (المفتي هنا كل مفتي وليس مفتينا بالضرورة).
في الإسلام تعلَّمنا أنه لا وساطة بين الله وبين البشر. هل يقوم المفتي الآن بمثل هذه الوساطة؟ في رأيي، أنه يفعل؛ فهو يقوم بترجمة النص القرآني المقدّس للناس فهو وسيط بين الله والبشر. هذه الوساطة التي تنكرها أصول الإسلام.
أيهما إذن أحسن أن يكون هناك مرجعية لكل شخص كما هو الحال عند الشيعة؛ فكل شخص لديه من يسأله، أم أن يكون هناك مفتٍ عام للدولة؟ في كلتا الحالتين يقف المفتي وراء الشخص أو وراء الأمة دليلا يقودها باتجاه ما يريد، أو ما يريده الله حسب فهمه. فقط يبدو لي الأمر عند الشيعة، وليصحح لي من يعرف أكثر، أمرا أكثر شخصانية من أن يكون رسميا وعلنيا، وهو بالتالي أقرب إلى ما هو معروف عند المسيحين من الاعتراف والاسترشاد برجل الدين. في كلتا الحالتين يفكر المفتي بدلا عن الفرد.
في الدولة الإسلامية ما أفهمه عن مكتب الإفتاء أنه مؤسسة للدولة. بمعنى أنه، ولأخفف من التعبير قدر ما أستطيع، يحاول أن يجد الحلول الوسطى بين ما تريده الدولة من سياسة وإدارة وبين ما يفهمه علماء الدين من الدين. لذا فإن المفتي ليس فقيها للأمة بقدر ما هو فقيه للدولة. وهنا تتأزم الأمور، فمثلا تقول الدولة هذه دار أوبرا!، فيقول المفتي الذهاب إلى دار الأوبرا حرام!. وهذا تناقض بيِّن؛ فهذا معناه أن يكون في الدولة ما يواجه الدولة، وهذا ربما يصح لو كان مكتب الإفتاء حزب من أحزاب المعارضة.
وبما أننا في عمان نتحدث هذه الأيام عن التقدم والتطوير في كل شيء، فإليكم مقترحي لتطوير مكتب الإفتاء. فبعد وفاة المفتي العام للسطلنة، أدام الله في عمره، لا ينبغي أن يكون هناك مفتٍ واحد بل يجب أن يكون هناك مجلس إفتاء، وعلى المجلس أن يضمّ علماء دين من مذاهب أخرى أيضا غير المذهب الإباضي، وعلى الفتوى أن تكون بإجماع الأغلبية حين اكتمال النصاب.
الاقتراح الثاني، والذي أميل إليه، أن يُلغى مكتب الإفتاء، فالناس تختار من يفتي لها ومن تثق في فتواه، (من الناس من يرى مثلا أن مفتينا متساهل نوعا ما في مسائل الموسيقى العسكرية والصور ولذا يحبذ فتوى شيخ آخر). بهذا نحرر المجتمع من وجوب اتباع مفتٍ واحد، ونحرِّر المفتي أيضا من ضرورة اتباع مذهب الدولة أو التوافق أو الصدام معها.   

17 فبراير, 2012

تحطيم بوادر البطولة


هناك ملاحظة أود مشاركتم إياها:
كل مرة يحدث شخص شيئا مؤثرا في المجتمع لدينا، تتعالى أصوات كثيرة للحد من أهمية ما فعله. هذا يحدث سواء أكان التأثير على المجتمع إيجابيا أو سلبيا (أو حتى متعادلا). ونجد دائما من يقول له: هل تريد أن تقيم نفسك بطلا علينا؟ ولكأن أدوار البطولة محددة سلفا لفئة محددة، أو لكأنها غير واردة الحصول في المجتمع الذي نعيش فيه.
الكتّاب الذين دُعوا بالعقلانيين، حين كانوا يواجهون المنظومة الدينية المتفشية في المجتمع (والجامدة نوعا ما)، والتي أودت موتا بالمذهب الإباضي ذي الأصول الثورية، اتُهموا بأنهم يريدون أن يقيموا من أنفسهم أبطالا. الوجوه التي ظهرت في الاعتصامات في العام المنصرم والتي حاولت كسر الجمود الحكومي الإداري، وجدت من يقول "هم يريدون أن يكونوا أبطالا". طبعا لست هنا بصدد ما إن كان العقلانيون أو المعتصمون أبطالا. ليس هذا ما أناقشه. إنما هذه الرغبة في إسكات المختلف وإسقاط "البطل" المحتمل.
من أين تنبع هذه الرغبة لدينا في تحطيم الآخر؟ أم أنها ليست رغبة في التحطيم بقدر ما هو افتقار وعدم ثقة بذاتنا الاجتماعية؟ أتذكر الآن ما يشاع دائما من أن ظاهرة الحسد متفشية في مجتمعنا تفشيا يكاد يكون سمة من سماته. طبعا أن يكون سمة من سماتنا هذه وحدها تحتاج إلى دراسة إحصائية للتأكد العلمي. وإنما نحن نسشتف هذا من خلال أحاديثنا واستخدامنا المفرط لكلمة "حسد عماني".
الفرضية الثانية في أنها ربما تكون علامة افتقار للثقة في ذواتنا؛ فهناك دائما من يحاول أن يُخفِّض من انتاجية الفرد العماني. والحق أن جلد الذات قليلا ونقدها مهم جدا للتطوير بيد أن النقد المحطم للقيمة من أساسها هو نقد هادم تماما. وإنما هذا هو ما يشيع استخدامه. ليس هذا معناه بالطبع أن يسكت الناس ولا يدلوا بدلائهم في البطل المحتمل: مناقصه ومحامده؛ فثمة دائما هذه الحاجة لغربلة المهم والمؤثر والمفيد من الغث والعارض والنكرة.
ثمة فرضية ثالثة أُطلقها هنا ان الدولة وضعت (بطرق غير مقصودة ربما) احتكارا على مجال البطولة ومنحته لأشخاص محدودين فقط، وفعّلت ذلك عبر جهازها الإعلامي.  
الفرضية الرابعة أن التاريخ لدينا ينزع إلى تأريخ الأحداث المضيئة إن صح التعبير، ولذا يُذكَر الملوك والعلماء والفقهاء وكبار قواد الجيش، أما الآخرون الذين يمارسون أدوارا مهمة وفاعلة ومؤثرة أخرى فمركونون على الرف وقلما نُخبر عنهم، وربما يتم محوهم من المشهد.
أظن أننا، كدولة وكمجتمع يسعى للتقدم، لا بد أن نثق ببعضنا وندفع بعضنا بعضا للأمام. إن ذلك لا يفيد المدفوع فقط بل الدافع أيضا، ويجعلنا نحظى ببعض الاحترام لأنفسنا وببعض الثقة من قبل الآخرين البعيدين عنا.           

13 فبراير, 2012

رسالة معاوية الرواحي بشأن مقالته [ ميثاق الخلاص ] ..


بناءً على رغبةِ معاوية أنشرُ هذه الرسالة التي قام بكتابتها، ويحول عائق تقني بسيط دون نشرها في مدونته ..


وجوه الحق/ والحقيقة ..
العَدالة رحمةً / الرحمة عدالةً

أهلا بكم أيها الأصدقاء:

 أكتب لكم هذه المرَّة من الزنزانة التي أقضي فيها فترة حبسٍ على ذمةِ التحقيق على خلفية مخالفات عديدة، أولها أخلاقي وكتابي وإنساني، وآخرها مخالفات صريحة لنصوص عديدة من القانون العُماني في مقالتي [ ميثاق الخلاص ] والتي قمت بنشرها في موقعي الإلكتروني، التصرف الذي كانت له تبعات عديدة كنتُ أنا سببها الرئيسي دون أي إنسان آخر.

 أكتب هذه المرَّة، ككل المرَّات السابقة لا أكتبُ مُكرهاً أو مُجبراً، على العكسِ تَماما أكتبُ وأنا مصابٌ بالإحباط والخيبة الشديدة، من نفسي قبل أن تكون خيبةً من أي شيء خارجَها.

في ليلةٍ من الليالي وفي حالةٍ من الانفعال المجنون أقدمت على عدة جرائم مخالفة للنصوص القانونية العُمانية، لم يكفِ أنني تعرضتُ لعدد من الأشخاص بأسمائهم الحقيقية، وزعت صفات وأسندتُ أشياء كثيرة، مقالٌ لا أعتبره إلا سقطة موجعة وفادحة وشائنة وسيئة للغاية لم أكن أتمنى أن أسقطها.
ما حدث قد حدث، والبكاء على المسكوب من الدموع أو المسكوب من الماضي لا فائدة منه.
من أين أبدأ؟

لست الآن في صدد سردِ ما حدث، سأخبركم لاحقاً ما حدث كما حدثَ، دون أن أمسَّ بالآخرين، بخصوصية أفراد الأمن الذين يؤدون واجبهم، أو الشرطة أو الأطباء الذين لم يفعلوا شيئا لم أكن سببه، كنت منفعلا وخائفا ومرعوبا، أصرخ وأهدد، أحمل فكرتي السيئة للغاية عن الأمن والشرطة، وما حدثَ كان عكس توقعي تماماً.
كعادتي السيئة أهرب من مواجهة عواقب أفعالي. أهرب من اعتذارٍ هذه المرَّة أقدمه وأنا غارق في خجلي، أعني طوال الفترة الفائتة وأنا كنت أحسب أنني أكتب عن الوطن، طوال هذه الفترة كنت أحسبُ أن الأمر لا يتجاوز تعبير الفرد عن نفسِه، كنت أتوهم هذا في سياقي الفردي، في حياتي الصغيرة التي لم أكن أعرف أنها قد تمس الآخرين بالسوء.
توقعت الأبشع ولم يحدث منه أي شيء. في حقيقة الأمر لو جئت لقياس الأذى الذي تعرضت له لوجدت أنني تسببت في كله لنفسي بسبب عنادي ورفضي للتعاون، فضلا عن وقاحتي الشديدة مع الشرطة الذين تحملوني كثيراً.

 أشعر الآن ــ بعدما هدأت عاصفة الغضب بداخلي ــ بالكثير من الإثم. حتى هذه اللحظة لم أقرأ النسخة الأخيرة من المقال الذي جلبني هُنا، قرأت مقتطفاتٍ منه جعلتني أشعر بالأسى البالغ على الدرك الفادح الذي تمرغت في طينِه، لم أقرأه كلَّه وما أتذكره منه ــ غير حالة الانفعال المجنون ــ أنني رميت فيه بكل شيء غير منطقي، كان سقطةً عَمياء من السقطات التي وإن غفر لي القانون، أو المجتمع، أو الأهم، إن غفر لي مولاي حضرة صاحب الجلالة اقترافي، فلن أغفر لنفسي.

 أكتب هذا الكلام الآن من زنزانة السجن التي وضعت فيها نفسي، أكتبه وأنا حائر ولا أعرف من أين يجب أن أبدأً، من أين؟ الأمر صعب للغاية.

لا يغفر لأي إنسانٍ على الإطلاق أن يغضب فيخطئ. أحسب أنني وصفت معالي يوسف بن علوي بصفة سيئة للغاية، أعتذر له أمامَكم على فعلي لذلك، ليس لأن الاعتذار يلغي الزلة الفادحة، ولكن لأنَّ إنسانا ما، أي إنسان لا يستحق أن يخاطب بهذه الطريقة، لقد أقحمتُ قضاياي الشخصية والعائلية في معمعتي تلك، المعمعة العمياء التي أوصلتني أخيراً إلى ما كنت خائفاً منه، إلى السجن الذي لم أعش فيه غير يوم واحد لأجد نفسي منهاراً وفاقدا للأعصاب.

 هل تعرفون ما المضحك في الأمر؟ المضحك لأنَّ الأدوار انعكست، هم يخاطبونني بهدوء، وأنا أهدد وأصرخ، لقد أخطأت في حق كل إنسان اقتربَ مني، كنت وقحاً للغاية وشرساً وسيئا، وقاحة لا أغفرها لنفسي وإن غفروها، وسوءاً لا أخلاقياً، في حق أناس كانوا يؤدون واجبهم لا أكثر.

 ردة الفعل كانت عكس توقعاتي، فلْأقل أن جميع توقعاتي قد تحققت، ولكن بالمقلوب، هذا هو الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه، في هذه اللحظة.
عندما دخلَ أحدهم حاملاً لي اللاب توب، وقال لي ببساطة: أكتب ما أردت شعرتُ أن ما يحدث لا يحدث فعلاً، أكتب هذه التدوينة وأنشرها دون أية مراجعة من أي مخلوق؟ هل هذا يحدث؟ أم لا يحدث؟

أنا الذي طلبتُ هذا الأمر، أن أعود قليلا للوحة المفاتيح لأكتب هذا الاعتذار عن فعلتي الشنعاء.
 كل ما فعلته ومن أسأتُ له في جانب وما تفوهت به من حماقات رعناء في حق جلالة السلطان في جانبٍ آخر، وهذا له حديث طويل للغاية، حديث سأقولُه بعد خروجي واستعادتي لرباطةِ جأشي وقدرتي على التركيز قليلا، وليس الآن.

 لم أكن أعتقد أنني سأكون في يومٍ من الأيام ناكرا للجميل وللحق وللحقيقة فأخاطب أي رجل في العالم بذلك الشكل، حالةٌ من الغضب الأعمى ورغبة جنونية في تدمير كل شيء، والحق يقال أن الشيء الوحيد الذي تدمَّر هو غروري الأعمى، والعَجب الذي أخذني بنفسي وكاد أن يوردني المَهالك، ما كنت أنوي عليه، يا إلهي، سأعترف لكم بكل شيء وسأقوله لكم كما كان، لا أنوي الشر ولا السوء، هذه التجربة كانت فوق طاقتي وهي تجربة لم يحدث فيها شيء أصلاً، تحقيق وبقاء على ذمة التحقيق، ومن ثم انفلات أعصابي أمام كل شيء، كل فرد، كل شرطي كان يقوم بواجبه، حتى الممرضين والأطباء، أنتظرُ أن يحدث الذي كنتُ أتوقعه فإذا بالعكس يحدث، والحق يُقال ما حدث يكفي لأشعر بالخجل من نفسي كثيرا وكثيرا لسنواتٍ قادمة.
 ما أريده الآن هو الخروج لا أكثر، الخروج من هذه الزنزانة التي وضعت فيها نفسي، التوقف عن قتل النفس وإيذائها، والأهم التوقف عن استغلال هذه الموهبة التي حباني الله إياها مع الكلمات في إيذاء الآخرين.

 فقدان الحرية شيء صعب، شيء لا أنوي أن أكرره، والأسوأ هو فقدان الاحترام للذات، وهذا هو الشيء الذي لن أكسبَه مرَّة أخرى.

لن ألوم أي إنسان فقد احترامه لي، فأنا فقدت احترامي لنفسي. قرأتُ المقال الذي قمت بكتابتِه لاحقاً في المستشفى، المستشفى الذي جئت إليه بسبب خوف الشرطة عليّ من نفسي، وأنا الذي كنت أحسب أنهم سيستخدمون كل أنواع التعذيب غير المسموحة في العالم. كنت واهما؟ نعم بلا شك؟ كنت غاضباً؟ نعم ولكن بعد كلِّ هذا أتساءَل فعلا إن كنت أستحق العفو. أتمناه وأريدُه، ولكن هل أستحقه، صدقوني لا أدري. يقولون لي أهدأ، فأهددهم بقتل نفسي، يقول لي الشرطي [ لماذا تفعل هذا بنفسك ؟] أرد عليه بوقاحة وأصرخ في وجهه، كانت التجربة فوق طاقتي، كانوا صبورين للغاية وهادئين. كنت أتوقع فصولا من التعذيب والإهانة لأجدَ أن الأمر لم يكن كما توقعت إطلاقاً.

لا أعتذر لأنني أريد العفو، أعتذر لأنني توسلت أن أمنحَ هذه الفرصة، ولا أعتذر لأنني أريد الخروج، أعتذرُ لأنني أخطأت وقمت بفعلة شائنة سوف تبقى نقطة سوداء في تاريخي الصغير ككاتب، نقطة سأحاول التكفير عنها لاحقاً، بالكتابة، بالحياة، بكل شيء ممكن.
أعتذر لأن هذا واجب وحق .. وأنا أرجو وأنتظر العفو وإن حق القصاص أو إن شاءت الرحمة.


خِتاما إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم.
سأبتعدُ عن كل أنواع التزويق الكتابي، أو التزيين الكلامي الذي يصنعه أو يتصنعه الكتاب، سأقول لك أنني أحد أبنائك المخلصين لك وللوطن، أحد أبناء عُمان الملتزمين بها، وإن كنتُ قد جلبتُ هُنا حقا وعدالةً، فلا تشكيك في عدلِ ما حدثِ، ولا في حق الاقتصاص من أي إنسانٍ يخالف القانون.

 ما أقوله لك يا سيدي ويا سيد عُمان أن عفوك أعظمُ، وحلمك أكبر، ما أرجوه منك أن تغفر زلتي، زلتي الشائنة في حقك وفي حق الوطن وفي حقِّ الإنسانية قبل أن تكون في حقك كحاكم وكوالدٍ وكإنسان.

 لا يفيك هذا الاعتذار حقَّك، ولا يفيك كتاب كامل قدرك، ما أعدك به أمام الأشهاد يا مولاي أن هذا الدرس أكثر من كافٍ، وهذه التجربة أكثرَ من واضحة لي لأدركَ أننا بخيرٍ، وأن ذلك الخوف والرعب النفسي الذي سبب في النهاية تلك المقالة التي تجنيت فيها على مقامك السامي، ذلك الرعب لا داعي له ما دمت معنا وبيننا.

 أعتذر لك بما لا تكفي الكلمات لوصفه، وبما لا أستطيع قولَه، كل ما أرجوه أن تصفح عن هذه الزلة وأن تسامحني على ما أخطأت في حقك، أكتبُ لمقامك السامي هذه التدوينة بلغتي التي أمارسُ، بلغتي كإنسان، وبفهمي الفردي القاصر، وإن كانت اللغة فضّاحة يا سيدي، فإن الفهمَ خائن، ولقد خانني فهمي فخنتُ لغتي، وتلك خيانة لا يجرؤ المرء على غفرانها لنفسه، فما أرجوك يا سيدي أن تغفرَ لي، هذا مطمحي ورغبي ومطمعي، أن تغفر لي لأعود إلى حياتي بعدما [ سفَّتُّ] بحريتي سوء تسفيت، وتعاملتُ معها بطريقة حمقاء، طريقة أدخلتني الحبسَ وستدخلني إياه شهور طويلة إن لم تعف عني.

يداي أوكتا، وفمي نفخ. وكما قال لي أحدهم ذات يوم: [ مولاي كلمة ثقيلة ] أقولُها الآن للجميع [ مولاي كلمة ثقيلة للغاية ] وعلى من يقولَها أن يكون لها. يؤسفني أنني خذلت كثيرين، ويؤسفني أنني خذلت نفسي، ويؤسفني وأنني وإن كنت ممن قالوها، إلا أنني لم أكن ممن التزموا به، تلك جريمة في حق الصدق مع الذات قبل أن تكون جريمة في حق الوطن، وإن كان الوطن غفور فلعل النفس لن تغفرَ، ولا أظن أنها ستفعل.

هذا ما أقولَه طامعا في العفو، فإن حدثَ فذلك كرمٌ وحلم فوق ما أستحق، وإن اقتصَّ منِّي فذلك وجه من وجوه الحق، لا أقول إلا أنَّه أقل ما أستحق وأكثر ما يجب.

ختاما أيها الأصدقاء، يجب أن يكون المرء رجلا بما فيه الكفاية ليواجه أخطاءَه، لم أدخل سجناً من قبل، ولم أحبس على ذمة تحقيق أو حتى لسبب مروري، كان تعاملي مع حريتي ومع حرية الكتابة التي كنت أعيشها غبياً وأحمق، غبياً عندما خالفت القانون، وأحمق عندما قدمت حريتي أضحيةً بلا سببٍ حكيم، حماقة عبثية موغلة في الغباء.

 لقد أخطأتُ خطأً فادحاً، ألّبتُ وتجنيت وفعلتُ كلَّ ما كنت أعتقد أنني لن أفعلَه.

 أما الآن وقد حدث ما حدث، لا أعدكم إلا بشيء واحد، وهو أنني سأتحرى الإنصاف فيما أكتب من الآن فصاعدا، الإنصاف قبل كل شيء، إنصاف الخصوم قبل الأصدقاء، وإنصاف الوطن قبل إنصاف الذات، هذا الذي أعدكم به.

 أما عن هذا الاعتذار، فلا أكتبه قسرا أو جبرا، أكتبه وأنا أتقاطر خجلاً من نفسي، أتقاطر وأتمنى لو تنشق الأرض وتبلعني للأبد لكي لا أواجه المرآة مرَّة أخرى لأجد نفسي بسبب انفعالٍ أحمق وقد كسرت القانون، والأخلاق، والمنطق، والأهم الإنصاف الذي كان يجب أن ألتزمَ به قبل أن ألزم به غيري.

أعتذر لكم أجمعين، قراءً، عُمانيين، معالي يوسف بن علوي، ناصر البدري، بسمة الكيومية، سعيد الهاشمي، كل إنسان ذكرتُه في ذلك المقال، أعتذر لكم صادقاً ومن قلبي وأتمنى أن تقبلوا اعتذاري، ولو ألقيتموه في وجهي لما لمتُكم صدقوني لما لمتكم إطلاقاً بالنظر إلى فعلتي الشائنة، وسقطتي الفادحة، وليت الأيام تقدّرني على فعل شيء يعوض خطئي في حقكم، حق  ألزمُ نفسي به قبل أن يلزمني به قانون أو منطق أو صديق أو خصم، أخطأتُ ويحق لكم ألا تغفروا لي، كما يحقُ للدولة الاقتصاص مني، أقف موقفَ الراجي في العفو والراغب في الصفح والطامع في حلم القادر المقتدر، عدا ذلك ..

كل نفس بما كسبت رهينة

أخوكم في عُمان ــ قبل أي شيء آخر ــ
معاوية بن سالم بن حميد الرواحي

10 فبراير, 2012

معاوىه الرواحى: إزالة بعض النقط عن بعض الحروف

أوه أيها اللعين معاوية!


ها أنت تجبرنا مرة أخرى أن نقرأ لك ونقرأ عنك ونكتب حولك وفيك. وأنت تتلوى ألما في زنزانتك بعيدا عن موسيقاك وأصدقائك وأعدائك وقططك وحاسوبك وسجائرك وفضائلك ورذائلك جميعها، لا أدعوك للهدوء والتأمل وأن تقف مع ذاتك؛ فأنت تجيد التأمل قائلا وواقفا وماشيا، وإنما نحن من يجلس ليتأمل ما تكتبه، بل أدعوك لعيش التجربة الأخرى، أن تقف هناك وقفة رجل حقيقي أيها الطفل الكبير المجنون والعبقري، أن تتلوى في الألم وتتنغص. أليس هو ذا ما تسميه ألم الكتابة ووجعها؟ ألم تحاول أن تقنعنا جميعا أن هناك كتابا "عسقيين" يكتبون بعيدا عن الحياة وبعيدا عن الألم؟ إذن يا صديقي ليكن قلبك مفتوحا على أوسعه لرياح الألم والحبس والهدوء البغيض والسكون والذعر من الحبس الانفرادي ومن "جواني" الأمن، من غضب الناس وقلق الأم وغضب الأب وبغض الصديق وشماتة العدو. عش سعيدا هناك؛ ففي الأمور البغيضة علينا يكمن سر من أسرار الحياة التي يجب أن يتعلمها الكاتب اللا "عسقي"! الذي أحببتَ دائما أن تكونه.


نعم يا صديقي اللعين!


أنت مليء بالحكايات، إلى حد أننا نسنى وأنت تحكيها لنا أي حكاية نحن نسمع الآن؛ فأنت تبدأ بواحدة وتطور واحدة أخرى وتنتهي بواحدة مختلفة تماما. وليس العجيب أن تفعل ذلك بل العجيب أننا نتبعك في محاولة للفهم. ولكن كيف لنا نحن أن نفهم ما لا يُفهم، ما لا يمكن فهمه، ما لا يمكن لنا تصوره؟ فالعبقرية بحاجة هي الأخرى إلى عبقرية لفهمها ولتتبعها. أتخيل الآن، مع كل الحكايات التي صنعتها والتي تصنعها والتي نحلم أن تصنعها في هذا البلد  الهادئ والجميل، أتخيل بعد مئة سنة أو أكثر، حين نستطيع كأمة أن نخرج فيلما عنك، كيف يمكن لمخرج أن يُصوِّرك، أن يُخرج مكامن شخصيتك للجمهور البعيد زمنيا عنك وعنا؟ فإن كان معاصروك لا يفقهونك فكيف لذلك المخرج المسكين وقد تصدى لهذا العمل العظيم أن يقوم بإخراجك؟ فأنت لا يمثلك سواك ولا يخرجك إياك!


ولا يا صديقي اللعين!


فقد أخطأت هذه المرة، ولكنك لم تخطيء في المحتوى، أبدا، من يمكن أن يختلف معك على المحتوى، من يجرؤ؟ عمان إلى الهاوية؟ وأي بلد في العالم لا يسير إلى الهاوية؟ تخلتف مع السلطة والسلطان؟ وأي مثقف أو كاتب يمكن ان يتفق مع التحديد والكبت والمسكة الأمنية والقلاع الحصينة؟ جيلنا محكوم عليه بالإعدام؟ ولكن كيف يمكن لنا أن نتفاءل ونحن في قلب البركان الثائر لهذا العصر؟ فقط أنت أخطأتَ في التوقيت؛ فبعض الكلام يا صديقي، كما يخبرنا القانونيون في زماننا هذا، وقد تفشوا كثيرا لتفشي أحقادنا على بعضنا، يحتاج إلى أن يوضع في وقته الصحيح حتى وإن قيل للناس الخطأ. واطمئن يا صديقي! أو لتحزن قليلا إن قلنا لك أنك قلت كلاما نعرفه من قبل! ما الجديد يا صديقي في كلامك عن كل هذا؟ لا جديد، كلنا يعرف كلامك ونتوشوش به ونسره لبعضنا ونحن نبتسم ونغضب ونبكي ونفرح. لكنك، والعهدة علينا، عالق في استعارة قاتلة، فأنت عالق في استعارة الصدق مع الذات. وهي فضيلة مرذولة أيها الطفل العنيد. فحتى إن كان اللون أبيض، فإن قليلا من الحكمة والتعقل والقانون والمجتمع والدين وكل هذه الأمور كلها كلها كفيلة بأن تغير الأبيض إلى أسود والأسود إلى أبيض ومع ذلك لا تخرجنا عن قول الحقيقة. فكما ترى! فالحقيقة إنما هي أيضا مجاز نبنيه نحن في عقولنا ونصقله ونخرجه إخراجا حسنا.


وآه أيها اللعين المتذاكي!


تستخدم الشيخ النبيل المحافظ لترمي به السلطان النبيل الليبرالي ذاكرا مساوئ البلد الانحلالية ولكنك للسلطان اقرب، وتستخدم السلطان الليبرالي لترمي به الشيخ النبيل ذاكرا مساوئ البلد التحجرية الدينية، وأنت إلى الشيخ أقرب. وأنت مع الثورة حين نكون هادئين ومع الهدوء حين نصبح ثائرين. هكذا يجب علينا دائما ونحن نحاول فهمك، هذا إذا لم نُصب بالإعياء ونترك مهمة تتبعك، أن نمسك ورقة وقلما ونجزئك إلى معاوية1 ومعاوية2 ومعاوية3.... وهكذا تصيبنا بالدهشة والذهول دائما إلى درجة أننا نشك أنك خارج لتوك من فيلم إثارة خيالي. وهكذا نقع نحن، بعقولنا القاصرة، في الشرك المخيف للتناقض واللامعقول: فأنت تريد أن تُلحد على سجادة صلاة، وتريد أن تَسمع القرآن يُصدح به في دار الأوبرا، وتُشعل بركانا في فنجان، وتجبرنا على العري في اللحظة التي نكون فيها أكثر رغبة في الحشمة، ويصبح كل شيء لديك فضفاضا وضيقا في آن. ولديك تضيع الكلمات بين الأرجل؛ فأنت بإيمانك بالكلمات، بالإبحار فيها كمجنون، أصبحت كافرا بها. إن هوسك بالمجازات صنع مجازه الخاص فيك، فغدت كلماتك تحتاج لشرح من قاموسك الخاص الذي في عقلك الذي يجب أن تطلعنا عليه لنعرف ما تريدنا أن نعرف لكنك لا تريد أن تطلعنا على قاموسك وتفترض سلفا معرفتنا به، وتلك يا صديقي الخطيئة الأصل التي تعتنقها صادقا. فأنت تتهم نفسك بأنك "زبالة" ونحن نرتجف لقولها حكاية عنك، هذا لأن الكلمات لدينا مرتبطة بمعان ضيقة وهو ما يعطيها أهميتها، ومرتبطة بعواطف وأحاسيس وهو ما يمنحها ثقلها أو خفتها الاجتماعية في عقلنا الجمعي، وأين لنا، نحن المحافظين إلى النخاع، أن نضع كلمة "شاذ" التي تشتت أفكارنا، وأنت تطلقها على الجميع ثم على نفسك وعلى كل شيء؟ إن الكتابة بوضوح هي مفتاح خطئك المنطقي، وهي مفتاح ضيقنا منك، فأنت لا تحترم عقولنا لوضوحك، ما الذي يجب علينا أن نفعله إن أنت أوضحت كل شيء بالكلمات؟ من هذا الذي يطيق صبرا على صراحة حادة يمكن أن تقطع أي شيء؟


وأوه يا صديقي اللعين!


تقول أنه لا أحد يعرفك، ولكن من يمكنه أن يعرف أي أحد المعرفة التي في عقلك؟ أو تظن أنك تعرف نفسك، وأنك قادر على شرحها لنا؟ مرة أخرى تقع في شرك الظن أن ذكاءك أعلى من ذكائنا. تقول أنك ملحد بينا تخشع كلماتك لذكر الله. وتقول أنك خائف من الموت ثم ترمي بنفسك في الفكين الشرسين اللذين للموت. وتعود وتقول تعالوا اقتلوني ثم تخاف من فكرة شحذنا لسكاكيننا. ألعلك قرات أبطال ديستويفكسي وكيف هم يذلون أنفسهم ويهينونها في سبيل إبراز أفكارهم أو تبريرها، وأنت هنا إنما تحذو حذوهم؟ إن حساسيتك الفنية تثقل على كاهلك الوطني. ويا صديقي لا ينبغي علينا أن نقترف أن نكون عدة أشياء مرة واحدة؛ فأنت ثائر ووطني وشاذ ومجنون وكاتب ووديع وبطولي ورعديد وملحد ومستقيم وكاتب ملاحم وكاتب مجازات وأشعار وكاتب قصص وروايات وصحفي ومدون وأمني ومضاد للأمن وسياسي ومحنك وموظف وتلميذ وابن عاق ومحب للقطط وللسلام العالمي وضارب عود ومجنون بالعظمة ومجنون بإهانة نفسك وإذلالها وذكي وأحمق و"كوميدي واقف" ولعين وشيطان وملاك. إننا نأسف يا صديقي أننا لا نستطيع في هذه العجالة أن نقول كل ما أنت عليه، فكل لحظة لديك غير اللحظة التي تليها, ومن هنا فإن صدقك صحيح جدا، وإننا لا نشكك في صدقك أبدا طالما كنا في اللحظة ذاتها، وإنما يتغير صدقك إلى صدق آخر في اللحظة التي تليها، ولذا نشك في مقدرتك على لعب دور واحد فقط، في تقمص أمر واحد فقط، على الأقل لفترة زمنية معقولة.


ويا صديقي اللعين!


أنت لست النكتة الجديدة للعمانيين، فنحن لا نضحك فقط حين نسمعك او نسمع عنك، بل أحيانا أنت تخيفنا لأننا نكتشف ما بأنفسنا من حقد وضغينة وضعة وانحطاط وتشوه وتشرذم وخنوع، وأحيانا تجعلنا نحس بالعظمة تنبع منا، إننا لا نقرؤك، وفي الحقيقة لا نقرأ مقالاتك بل نقرأ أنفسنا في مقالاتك. وأنت لست من الكتاب "الزبالين"؛ فهولاء لا يلتفت إليهم أحد بل أنه على كتفيك أحيانا نقف ونرى العالم وعبر كلماتك نفهم بعض الحياة في مجتمعنا. هذا المجتمع الذي استطاعت الحكومة ونحن الناس أن نجعله مجتمعا في أنبوب اختبار، نعم هذا هو المجتمع الذي تبغضه وتحبه، المجتمع الذي يجعل من كل شيء موزونا ومعقولا وبرجوازيا حقيرا ويقبل الانحطاط "الفكري"، من أجل أن يُقال أن الجدران الخارجية جميلة، من أجل أن نبدو جيديين وجميلين في أعين الآخرين. الآخرين الذين لا يكترثون لنا. أوه يا صديقي، لا نريد أن ننفخك أكثر حين نفكر في أنه لو كان هناك مئة منك، فكيف ستكون الأمور في عمان؟ لا، لن نقع في خطأ النفخ هذا. فالتواضع الذي يجب أن نمارسه عليك هو صمام أمان لنا ولمجتمعنا.


وآه أيها اللعين!


لست برجل أمن، لا سابق ولا لاحق، ولست المفتش خلفان ولا شارلوك هولمز، إلا إن كانت وطنيتك هي التي تتكلم من خلالك. والحق أنك تفعل ما تريد أن تنقضه، فحين تقول أنك رجل أمن متوهما ذلك من تجاربك معهم، فأنت تريد أن تذل نفسك لكونك تفترض أنهم سيئوون رجال الأمن هؤلاء، وإنما أنت تقول أنهم أذكياء وجيدون لأنهم يتعاملون مع أناس أذكياء مثلك، أنت لا تحتقرهم بل تعظمهم وتمنحهم ما يستحقون وما لا يستحقون. وأيم والله، لو جئت إلينا يوما وقلت أنك نبي مرسل لكذبناك وصدقنا صدقك وتجليك لقول الحقيقة علانية رغم معرفتك الداخلية لرفض عقولنا لما تقول. هكذا تتناوب أنت بنفسك الجلوس مرة على كرسي الاعتراف ومرة على كرسي المحقق بل إنك أحيانا تجلس حتى في كراسي النُظّارة ترقب المشهد يشتعل من على بعد غير مصدق لما يحصل من قبل نفسك. وجازاك الرب، الآن يبحث أهل سمائل جميعهم عن "عباس" الذي ألصقت به زورا وبهتانا ما ألصقت به زورا وبهتانا، معتقدين أنه كائن حي يرزق وهو ليس بكائن حي ولا يرزق. ويبدو لي دائما أنه يجب أن تخاف من تلك الفترة ما قبل موتك، فيا صديقي حينها لن تتمكن بكتابة ما خطر في دماغك قبلها بقليل، وسيختفي شيء ما من دماغك للأبد من غير أن تكتبه لنا أو تلقيه على مسامعنا. ونكاد نجزم، نحن الذين نعرفك، وليغفر لنا الرب تشدقنا، أنك لن تموت منتحرا لا بالإيدز ولا بالسل بل على فراشك كما يموت الجمل، وستنام أعين الجبناء!. ولا يتطور المجتمع او يتغير كما تتغير أنت وتتبدل وتتلون يا صديقي، فالمجتمع يخفي أشياءه التي يجب أن تُخفى، وهي ستظهر شئنا أم أبينا، فأنت بإظهارها لن تساعد المجتمع بالمعنى الذي تسعى به صادقا لمساعدته، أنت تساعده بأنك جزء منه مهما اختلفت عنه وعنا جميعا أيها الغريب.

وواو أيها الكاتب اللعين!


لقد أخذَنا مقالك بعيدا جدا، في أعالي السماء، ثم أسقطنا إلى الهاوية. لأنك تجيد التحليق في الأعالي والزحف على الطين، وتجيد الإسقاط والسقوط، وتجيد استخدام الرموز. إن المجتمع يتحول يا صديقي، ولن تقف أنت ولا نحن في طريق تغيره سواء للأحسن أو للأسوء، وإنما نحن بعض أحجاره وأنت تحاول أن تفعل بعض التغيير في بعض أحجاره. فلا يجب أن تغتر بنفسك ولا يجب أن تذلها، فلا هذا ولا ذاك مما سينفعك أو سينفعنا، إن قابوس رمز والشيخ أحمد رمز آخر وقد نتفق على رمزيتهما كثيرا ولكنا سنختلف ونتفق في الرموز الأخرى كعلي بن ماجد وأبو فيصل وبن علوي والحنظولي ومعاوية الرواحي. فقط لا يجب أن نكون ضيقيي الأفق ونخرج من تاريخنا الرموز السلبية أو الغامضة. إن للشهرة يا صديقي ضرائبها، وها أنت هناك في زنزانتك تجني بعض ثمارها وتعاني من بعض ضرائبها. لا يستطبع أن ينصب شخص من نفسه رمزا إلا أن يكون له جيش قوي من الإعلاميين وقلعة أمنية رائعة أو فعل عظيم. ولم تكن كلمة عمار التي أيقظتك ولا كلمة أخيك، فانت كل كلمة توقظك وكل كلمة تنيمك. آه من رذائلك الكثيرة يا صديقي، فمن رذائلك غرقك في اللحظة. تحاول أن تعيش اللحظة حتى آخرها، وهكذا تصبح كلمة واحدة قادرة عندك على فعل الأعاجيب. لقد أماتتك لحظة وأحيتك كلمة. ووا عجباه، يا لك من صادق مدع في هذا. لقد اخترتَ يا صديقي أن تشتعل بالكتابة من أجل أن نقرأ مقالك فاشتعلت كثيرا كثيرا حتى أنك أحرقت نفسك من فرط ما اشتعلت وكدت أن تحرق من حولك. لقد اخترت الكتابة عن ذاتك وهذا هو شأن الفنانين، حتى العقّال منهم، فالمقال الذي كتبته كتبك وحين بثثت فيه من روحك كاد أن يخمدك. وتلك بحق لعنة وفضيلة. اغفر لنا أن نقلب الطاولة عليك ونشرّحك كما شرّحتنا، إن هذا الحق اكتسبناه منك أيضا؛ فبما أنك تريد أن تعرفنا وتكتب عنا فها نحن نكتب عنك ونحاول أن نعرفك. لعل ما كتبته في مقالك الأخير لا يمت بصلة لك في كلامه السطحي، كما سيفهمه قارئ عادي منا، فأنت تحب السلطان وتحب الشيخ أحمد والمطاوعة والملاحدة وتحب كل ما هو عماني خالص وتموت في شيء اسمه عمان، وليس هذه وطنية مفتعلة أو مزعومة بل حالة وفقط, ما كتبته يمت للأسبوع المنصرم من حياتك قبل الكتابة. وعلينا ونحن نعاقبك أن نعاقب كل من تحدث لك أو قرات له أو رأيته أو أكلت معه أو ناقشته في ذلك الأسبوع. أي ببساطة أن نعاقب أنفسنا، أو نهنئها. فالأمر يكاد أن يكون سيان. هكذا يا صديقي تأخذك الحمية والغضب على الوسخ الذي شاب الثياب البيضاء للبلد لكنك تبعد ناظريك عما هو ناصع البياض، عما هو جميل، عما هو حقيقي، عما هو أصيل في هذه الثياب.


وواه واه يا صديقي اللعين!


الكتاب المخادعون كثر حسب نظريتك وهم يتعاونون مع الأجهزة الرسمية، وها أنت مرة أخرى تقع في رذيلة السرد والحديث الفضفاض عن أمور تعرفها أنت ونجهلها نحن ونراك تسرد قائمة بهؤلاء المتواطئين من غير أن تعلن لنا منطقك الذي كتبت به قائمتك ومن غير أن نفهم أي تعاون كان منهم ومع من. فالشيخ متواطيء مع الأكليروس والكتاب مع الأجهزة الأمنية ونحن مع الغفلة الأبدية للكائن العماني البريء. أما كان الأجدر بك وأنت تجر نفسك باتجاه الهاوية ان تلقي علينا نظرة عطف وتخبرنا على الأقل ما شأن هؤلاء ومن يقف معهم وأين يقفون؟ أما وقد قررت أن تبيع نفسك للشيطان أما كان جديرا بك أن تعطينا تفاصيل أكثر قليلا عما ذكرت كيما نمسك الخيط بعدك؟ لماذا لم تمض في طريق التنوير إلى آخرك وآخره، لماذا تركت الحصان وحيدا في منتصف الطريق؟


أوه أوه يا صديقي اللعين!


أنت حملت نفسك ما لا يطيقه بشر، أن تصبح كل شيء وتناضل ضد كل فساد وتصحح كل خطأ، حملت الأرض العمانية على كتفك، لم تنم لأيام كي نستيقظ نحن صباحا ونرى تدويناتك  فنفرح ونغضب ونبتسم ونسب. ونحن نعرف أنك لم تقم بما قمت به من أجلنا نحن فقط، بل كان من ذاتك ولأجل ذاتك. اهدأ قليلا يا صديقي؛ ففي هذا الجانب من العالم ما نرفضه تماما هو هذه السرعة في الانتاج وهذا التألق، هذا القلق المجهد، وكما ترى فكل شيء يمكن أن يؤجل إلى الغد. حتى حبسك تأخر للغد، فلا بد للعجلة البيروقراطية أن تلكز قليلا لتدور قليلا. نم قليلا يا معاوية نم قرير العين في زنزانتك وامنحنا الوقت الكافي حتى نحلل ونفسر ونغطي على أخطائنا التي أمطت عنها اللثام.


ياه يا صديقي اللعين!


اللبن الذي انسكب انسكب، ولا يجب أن تضيع وقتك الآن في الندم عليه. لقد كنت طوال أيامك شجاعا في كلماتك، لقد مارست شجاعتك من وراء شاشة حاسوبك وآن لك قليلا أن تمارس الشجاعة من خلف بعض القضبان. والحق إنما نحن نقول هذا لبث العزم فيك، ومن باب أن نقول لك ما يجب أن يقال، وإلا فأنت غير مطالب بفعل شيء حقا، فاكتب بعد خروجك أو لا تكتب، واندم أو لا تندم، وابك أو لا تبك؛ فكل هذه خياراتك الشخصية وعليك أن تلتزم بخياراتك وعواقبها الأبدية. فقط حاول أن تتجاوز عن أخطاء من يتهمونك الآن في صفحات النت فهم أولا لا يعرفون من أنت حقا، ومن يعرفك منهم لا يعرفك إلا عن بعد وعبر كلماتك، وثانيا أنت من علمتهم أن يوسوعوا قليلا من هامش حرياتهم حين الكتابة فلا تأت الآن وترفض ما طالبت نفسك والناس به، وثالثا لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، ورابعا كيف يمكن لعمان الجديدة أن تنشأ إلا مع بعض التضحيات هنا وبعضها هناك. فلتكن معاوية سواء أسامحوك أم عاقبوك، وهم إن سامحوك فهم قادرون باللطف الذي لديهم وأنت تستأهل، وإن عاقبوك فهم عادلون بالقانون الذي أوجدوه وأنت تستأهل. وفي كلتا الحالتين فإن بريقك سيبقى ما شاء له الرب أن يبقى حتى يأتي من بعدك من يأخذ الشعلة ويحرق نفسه بدوره.                                    

20 يناير, 2012

أغاني المقهى


تحت الشمس
يتمدد ظلي
وينكمش.


في المقهى
الطاولة ساكنة
مثل الكرسي.


في الذاكرة
تتشبث الأيام الخوالي
بالأيام اللواحق.


الأصدقاء
كثيرون في هاتفي
ولا أحد في الجوار


العجلة
في اختراعها مجددا
لذة أيضا.


أراني
مبتسما
على سطح عينيها.


في عقلي
الحب
تجريد لتجاربي الجسدية.


عمود ماء
واقفا على الطاولة
في زجاجة.


الرجل في المقهى
يصفر
مخفيا وحدته.


على أرضية المقهى
ينتثر السكر
بينا يستعد رتل النمل.


أربت ظهر الفأرة
وعلى شاشة الحاسوب
يتدحرج مؤشرها.


الملعقة
يا لعظمتها!
كم حركت من ساكن.


كل يوم،
الحقيقة غير الموجودة
تفيض من أفواه البشر.


جمالك
حقيقيٌّ
أم انعكاس خيالي؟


في عقلي المضاء بالأصفر
تنعكس الأضواء
على ظهر الأفكار المحدبة.

16 يناير, 2012

العقل المُجزَّأ


يبدو أنه حينما نفكر فإننا نفكر في كل موضوع بشكل مستقل عن المواضيع الأخرى. هذا يعني أننا لا نستطيع أن نلاحظ أوجه الشبه بين المواضيع المختلفة مما يولد لدينا قرارا أو نتيجة مختلفة في مواضيع قد تكون متقاربة.
لأضرب مثالا: يفكر ذو البشرة الفاتحة في مجتمعنا أنه أفضل حالا من صاحب البشرة السوداء. هذا، مهما كان سببه، يؤدي إلى نتيجة التعالي ورؤية الذات على أنها أفضل وأكثر محتدا. ولو فكر صاحب هذه النتيجة في البشرات المختلفة في العالم بذات تفكيره في الموضوع السابق لاستنتج أن الأوروبي بالتالي أفضل منه لأن بشرته أشد بياضا. لكنه لا يذهب بعيدا في التفكير للوصول إلى هذا الاستنتاج القاسي والمهين.
طبعا يمكن أن يكون الخطأ في المثال السابق ناتج من أن المرء يعمي عينيه عما هو ظاهر له بداهة. أي أنه يصل إلى الاستنتاج النهائي السابق لكنه لقسوة الاستنتاج وتأثيره السلبي على ذاته فإنه يواريه بوعي أو بدون وعي.
مع أخذ الاعتراض السابق بالاعتبار، اقترح أن ننظر إلى الوقوع في هذا الخطأ بشكل مختلف.الخطأ هنا ناشيء أن موضوع "بشرتي الفاتحة بإزاء بشرة الأسود" هو موضوع منفصل في المخ عن موضوع " بشرتي أغمق من بشرة الاوروبي". ولذا فإنهما أمران منفصلان في عقل صاحبهما رغم أنهما تقريبا موضوع واحد.
بالتالي فإن الأفكار هي قطع متفرقة في المخ وليست مترابطة. ربما يكون هذا بسبب أن رؤية الأفكار معا هو أمر صعب جدا. ولذا من أجل القدرة على العمل يحتاج الدماغ أن يبسط ويقطع ويجزئ. ولكن بسبب هذا التقطيع والتبسيط والتجزئة نرتكب الأخطاء المنطقية كما في المثال السابق.
الأمر قريب من طريقة تعلمنا للمواد الدراسية. ففي المدرسة أو الجامعة لا نتعلم الأمور كلها مع بعضها كما هي في الحقيقة وفي الحياة ، بل نتعلمها مجزءة. الجغرافيا غير العلوم غير التربية الإسلامية غير اللغة العربية. وفي كلية الطب التشريح غير علم وظائف الأعضاء غير علم الأمراض. والجراحة غير الطب النفسي وغير طب الأطفال. وهكذا نجد أفكارنا مقسمة ومجزءة من أجل التبسيط والفهم والمعرفة.  
أما في الافتراض المنطقي فكل شيء متشابه حين التفكير به. فحين نحكم مثلا على جودة القهوة التي نشربها فإنها بالضبط يجب أن تكون بنفس المعايير والأسس التي نحكم بها على الدين الذي نعتنقه والناس الذين نقابلهم والهاتف الذي يجب أن نبتاعه.

10 ديسمبر, 2011

لا جديد

عري
عري في الحمام
الجدران ملابسي.
  
وحدة
البحيرة ساكنة
أجدف وحدي هذا المساء.

المراقب
ضفدعة تنط
قط يموء-
أنا أسمع وأرى.

عزلة في المجموع
في المقهى
ضجيج الناس-
جدار العزلة يرتفع.

أنا
أنا
من غير اسم
كيان مبعثر.

على التل
على التل
عشب أخضر
يقطر نداه على القلب.

قلة فهم
هؤلاء الناس
وعيهم زائد عن الحاجة-
هذا ما لا أفهمه!

بعد فوات الآوان
العصفور
يسمع صوت الطلقة
بعد فوات الآوان.

مستقبلي
رجل سبعيني
على تجاعيد وجهه
أشاهد مستقبلي.

تلصص
أتلصص على لوح قدري
لأعرف ما علي فعله.

لا جديد
في الحياة
لا جديد
منذ "البج بانج".

أضواء
هذه الليلة
أضواء في المقبرة-
وافد جديد.

وهم آخر
المعنى
وهم آخر
من أوهام العقل.

يا لأهميتي!
هذه الليلة
آلاف النجوم
تلمع لي.

حذر
حين أفكر في الحياة
بجد
أبعد كل الأدوات الحادة.

عادة
لا أستطيع الخروج؛
عليَّ مشاهدة المسرحية
إلى آخرها أو آخري.

انعتاق
على إفريز النافذة
في الطابق الثامن
أعتق روحي من إسارها

فطرة
تَمُرُّ
لا شيء مغرٍ
مع هذا أتابعها.


استطالة
استطالت السكين فأصبحت سيفا
واستطال السيف
فأصبح بندقية.

سيان
في عتمة الليل
الجميلة والقبيحة
سيان لعيني.

أشيخ
الليل نفسه
الموسيقى نفسها
وحدي أشيخ في هذا الزمن

التصاق
القلبان
يخفقان بعيدا
الشفاه ملتصقة.

إخفاء
نصف رجل يتقدم نحوي
السيارة تخفي نصفه الآخر.

هناك وهناك
في القرية
الجبل يكسر نظرنا
ويحيلنا للسماء.
في المدينة
ناطحة السحاب
تحيلنا للأرض.

هذا المساء
الزغب
على ربلة ساقها
أهداب ملائكة

في انتظارها
وقع أقدام
كعب عال-
إنها قادمة

الرؤية
كل نعيم الآخرة
لا معنى له
إن لم نر الله.

تثاؤب
في الاجتماع المهم
حين تحدثوا
تثاءبت

إشعاع
في العتمة
تحت الشجرة
تشع عينا قط

؟
فتحت باب القفص
مع هذا
لم تطر العصفورة.

هداية
هذا المساء
يقود الله مقود قلبي
بلا هوادة.

ضباب
ضباب الصباح
آثار أقدام القطة
على زجاج السيارة.

إسناد
أسند رأسي
بيدي
وأفكر.

خسوف
أخيرا
تظهر الشمس
في الليل